عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
268
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
إذا ظفرت منك العيون بنظرة * أثاب بها معنى المطي ورازمه وجعل يردده استحساناً له وفي مجلسه أبو محمد عبد الجليل بن وهيون الأندلسي ، فأنشد ارتجالاً : لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما * تجيد العطايا واللهى تفتح اللهى تنبا عجباً للقريض ولو درى * بأنك تدري شعره لنالها قلت : يعني بالبيت الثاني أن المتنبي إنما تنبأ ، أي ادعى النبوة إعجاباً منه بعشره ، ولو درى أنك ستدري شعره وتستحسنه لناله ، أي : ادعى الإلهية . وقوله في البيت الأول : واللهى تفتح اللهى الأولى : بضم اللام ، جمع لهوة بالضم ، وهو ما يجعل في الرحى من الحب . والثانية بفتح اللام ، جمع لهاة ، وهي الهيئة المطبقة في أقصى سقف الفهم ، واستعار بذلك استعارة حسنة ، يعني إنما تفتح تلك اللها لأجل ما يوضع في فمه من المآكل الطيبة ، والمراد إنما يجيد شعره ما يأخذه من أموال السلاطين والولاة . وذلك الذي حمله على تجويد شعره . ولقد أبدع عبد الجليل المذكور في هذين البيتين من ثلاثة أوجه : الأول : الارتجال ، والثاني : ما تضمنا من المعاني الحسنة المطابقة للحال ، والثالث ما ضمنه من الجناس الحسن . وقيل : المتنبي أنشد لسيف الدولة في الميدان قصيدة " لكل امرئ من دهره ما تعودا " ، فلما عاد سيف الدولة إلى داره ، استعاده إياها ، فأنشدها قاعداً . فقال بعض الحاضرين ممن يريد أن يكيد أبا الطيب : لو أنشدها قائما لأسمع ، فأكثر الناس لا يسمعونه ، فقال أبو الطيب : أما سمعت أولها " لكل امرئ من دهره ما تعودا " ، وهذا من مستحسن الأجوبة . ومحمود أخباره ومستحسن آثاره نحوت فيها نحو الاختصار ، فلم أذكر شيئاً مما له من المدائح والأشعار استغناء بما فيها من الاشتهار . وفي السنة المذكورة توفي العلامة الحبر الحافظ صاحب التصانيف أبو حاتم محمد بن حبان بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة التميمي البستي ، وكان من أوعية العلم في الحديث والفقه واللغة والوعظ وغير ذلك حتى الطب والنجوم والكلام ، ولي قضاء سمرقند ثم قضاء نسا ، وغاب دهراً عن وطنه ثم رد إلى بست وتوفي فيها . وفيها توفي المحدث محمد بن عبد الله بن إبراهيم البغدادي الشافعي . قال